ابن كثير
514
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا [ الإسراء : 12 ] فجعل الشمس لها ضوء يخصها ، والقمر له نور يخصه ، وفاوت بين سير هذه وهذا ، فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد ، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء ، يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل ، ثم يطول الليل ويقصر النهار ، وجعل سلطانها بالنهار فهي كوكب نهاري . وأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور ، ثم يزداد نورا في الليلة الثانية ويرتفع منزلة ، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء وإن كان مقتبسا من الشمس حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة ، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر حتى يصير كالعرجون القديم . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : وهو أصل العذق . وقال مجاهد : العرجون القديم أي العذق اليابس يعني ابن عباس رضي اللّه عنهما أصل العنقود من الرطب إذا عتق ويبس وانحنى ، وكذا قال غيرهما ، ثم بعد هذا يبديه اللّه تعالى جديدا أول الشهر الآخر ، والعرب تسمي كل ثلاث ليال من الشهر باسم باعتبار القمر ، فيسمون الثلاث الأول غرر ، واللواتي بعدها نقل واللواتي بعدها تسع ، لأن أخراهن التاسعة واللواتي بعهدها عشر ، لأن أولاهن العشرة ، واللواتي بعدها البيض ، لأن ضوء القمر فيهن إلى آخرهن ، واللواتي بعدهن درع جمع درعاء ، لأن أولهن أسود لتأخر القمر في أولهن منه ، ومنه الشاة الدرعاء وهي التي رأسها أسود ، وبعدهن ثلاث ظلم ، ثم ثلاث حنادس ، وثلاث دآدئ ، وثلاث محاق لانمحاق القمر أو الشهر فيهن . وكان أبو عبيدة رضي اللّه عنه ينكر التسع والعشر . كذا قال في كتاب غريب المصنف . وقوله تبارك وتعالى : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ قال مجاهد : لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه ، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا ، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا ، وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن الحسن في قوله تعالى : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ قال : ذلك ليلة الهلال . وروى ابن أبي حاتم هاهنا عن عبد اللّه بن المبارك أنه قال : إن للريح جناحا ، وإن القمر يأوي إلى غلاف من الماء . وقال الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح : لا يدرك هذا ضوء هذا ولا هذا ضوء هذا . وقال عكرمة في قوله عز وجل : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ يعني أن لكل منهما سلطانا ! فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل . وقوله تعالى : وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ يقول : لا ينبغي إذا كان الليل أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار ، فسلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل . وقال الضحاك : لا يذهب الليل من هاهنا حتى يجيء النهار من هاهنا ، وأومأ بيده إلى المشرق . وقال مجاهد وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ يطلبان حثيثين ينسلخ أحدهما من الآخر ، والمعنى في هذا أنه لا فترة بين الليل